محمد بن أحمد العبدي الكانوني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

محمد بن أحمد العبدي الكانوني

مُساهمة من طرف محمد عبد الفتاح لحلو في الخميس فبراير 04, 2016 4:39 pm


إن الفقيه الكانوني كان يمتاز بخاصيتين اثنتين لهما أثر كبير في الثقافة العامة :
الخاصية الأولى حرصه على تلقي العلوم مباشرة من أفواه رجاله، ولهذا كان يجول في مختلف الآفاق ليستفيد علما وليستمد من العلماء ما يذكي فيه روح المعرفة وما يعينه على الطلب.
الخاصية الثانية انكبابه على التثقيف الذاتي واشتغاله بمطالعة الكتب المفيدة والتنقيب عليها داخل الخزانات. وكان يملك من الاستعدادات الفطرية ما يجعله قادرا على هضم ما يقرأ وعلى تمثله حين الاحتياج إليه، وعلى ربط المعلومات بعضها ببعض. ولعل هذه الخاصية الثانية هي التي دفعته أيام إقامته بمراكش أن يفتح متجرا متواضعا لببيع الكتب عساه أن يجد في ذلك فرصة لإرواء حاجياته الفكرية وللاطلاع على الإنتاجات العلمية.
وبالفعل فإنه قد استغل بيع الكتب للتثقيف الذاتي أكثر مما استغل ذلك للربح المادي فقد أعانته هاته العملية على التزود بالمعرفة وعلى النهل من ينابيعها ويسرت له الاستفادة من مختلف المصادر التي استدل بها داخل كتبه استدلال دراسة وبحث واستيعاب لا استدلال نقل واجترار.
ومن المعلوم أن هاتين الخاصيتين اللتين ذكرناهما كان لهما دور أساسي في الطابع الذي كان يطبع كتبه وفي المنهجية التي كان يسير عليها.
ونحن إذا حاولنا أن نحدد بعض أساتذته الذين استفاد منهم فسنجد ذلك في كتابيه: "الهداية والإرشاد إلى معالم الرواية والإسناد" و"صعود مراقي الإسعاد إلى سماء الرواية والإسناد"، ولقد اعتمد عليهما الأستاذ المرحوم برحمة الله الواسعة السيد عبد السلام ابن سودة (1) في ذكر شيوخ الكانوني حسب الترجمة التي رأيتها مكتوبة عند ابن المؤلف فقد قال:
إنه طلب العلم على عدة أاشياخ وذكر منهم :
من آسفي :
- السيد محمد بن أحمد الشرتفي الآسفي
من فاس :
- القاضي محمد بن رشيد العراقي
- مولاي أحمد المامون البلغيتي
- مولاي عبد السلام بن عمر العلوي
- إدريس بن محمد المراكشي
- محمد بن محمد بنسودة
- عبد الله بن إدريس الفضيلي
- محمد بن محمد بن عبد القادر ابن سودة
من الرباط :
- الشيخ أبو شعيب بن عبد الرحمن الدكالي
من سلا :
- الشيخ علي بن أبي بكر عواد
وإذا أضفنا إلى هؤلاء الشيوخ ما وجدته مشارا إليه داخل بعض كتبه المطبوعة أو داخل بعض الرسائل الموجهة إلي أو داخل بعض كنانيشه المخطوطة فسيرتفع العدد ولاشك إلى أكثر مما اقتصر عليه المرحوم السيد عبد السلام ابن سودة.
فمن هؤلاء : السيد أبو شعيب الصديكي أخذ عنه في مساجد دكالة (صفحة 43 من جواهر الكمال).
- السيد الطايع بن أبي العباس أحمد بن حمدون ابن الحاج السلمي
- وأخوه السيد محمد أخذ عنهما بفاس (صفحة 54 من جواهر الكمال)
- السيد علي بن الزوين (صفحة 64 جواهر الكمال)
وفي كتاب جواهر الكمال (صفحة 55) ورد ذكر الفقيه مولاي أحمد البلغيثي السابق الذكر، قال: .. وقد استفدت منه مشافهة بآسفي سنة 1345 هـ بدار الفقيه العلامة السيد الحاج عبد السلام بن الحاج عبد الملك الوزاني بعض الأخبار وأجازني بعض كتبه.
ومن شيوخه حسب ما في كتاب دليل مؤرخ المغرب الأقصى أبو زيد عبد الرحمن بن محمد النتيفي وهو الذي وضع من أجله "صعود مراقي الإسعاد"، الذي سبقت الإشارة إليه ضمن كتبه.
ومن شيوخه الذين أجازوه الشيخ عبد الحي الكتاني حسب ما أشعرني به السيد ابن الشيخ عبد الرحمن في بعض رسائله وحسب ما ورد في بعض الأوراق التي خلفها الكانوني نفسه.
إن الذي يطلع على أحوال الثقافة المغربية في أوائل هذا القرن سيعرف قيمة كثير من هؤلاء الذين ذكرناهم وسيعلم أن عددا منهم كان لهم ولع بالمخطوطات وأن تأثيرهم على الكانوني سيكون واضحا في خلق تلك الرغبة الملحة على الاستفادة والاستزادة من تقصي الأخبار، وإن كنا نرى من بين الذين كتبوا إلينا من يرجع اهتمام الكانوني بالدرس والاستفادة إلى طبيعة قبيلته التي ينتمي إليها وهي قبيلة أولاد زيد فهو زيدي النسب رغم أنه اشتهر بالكانوني، ولا بأس أن نقدم للقراء هاته الوثيقة القيمة التي تتحدث عن نسبه، وقد توصلنا إليها من السيد ابن الشيخ عبد الرحمن بتاريخ (4-4-1979)، ولابن الشيخ هذا فضل كبير في التعريف بالكانوني، قال في رسالته:
"سيدي محمد بن عبد العزيز الدباغ تحية وسلاما من إنسان يقدر فيكم الاهتمام بما تركه لنا السلف الصالح ويرجو لكم هناء بال وراحة ضمير.
وبعد سيدي الأستاذ وعدناكم، ووعد الحر دين، على أن نرسل إليكم أصل تلك الدوحة الوارفة التي وإن جفت عروقها فإن ظلها الوارف مازال يستظل به العطش إلى المعرفة وإلى ما تركه أبناء هذا الشعب من قلائد وذخائر فهو الفقيه السيد محمد بن أحمد الزيدي الجحشي الكانوني العبدي.
لقد كان مولد الفقيه رحمه الله بقبيلة أولاد زيد المجاورة لمدينة آسفي، وهي قبيلة حافظ رجالها على استقلال المغرب يوم كانت الدول المجاورة له تحاول الاستيلاء على شواطئ البحر الأطلنطيقي.
وتاريخ رجالات قبيلة أولاد زيد حافل بالمعارك التي كانت تقابل بها كل دولة تحاول الاقتراب من شواطئ البحر الأطلنطيقي، إذ أن قبيلة أولاد زيد التي منها فقيهنا الكانوني تجاور البحر من مدينة آسفي إلى مدينة الوالدية، وأضرحة رجالاتها مازالت شاهد إثبات على ما بذله هؤلاء الذين دفنوا هناك من أجل المحافظة على حراسة الوطن العالي.
كما أن قبيلة أولاد زيد هي قبيلة عرفت بالمحافظة على كتاب الله تجويدا وقراءة، وعرفت أيضا منذ القدم بدراسة أمهات اللغة والفقه وهي حتى الآن تزود مدينة آسفي بالفقهاء والقراء وحفاظ كتاب الله.
ولهذه القبيلة عناية كبيرة جدا بتحسين الخط المغربي الجميل، ولرجالها في الخط المغربي القدح المعلى.
وبهذه القبيلة وبالضبط بفخذة الجحوش التي هي فرع كبير منها ولد الفقيه الكانوني، وبها نشأ وترعرع، وعلى رجالاتها تكون، ومن هممهم العالية استمد رغبة البحث وحب الاستطلاع على الماضي، كما استمد منهم روح الثورة على كل ماهو مخالف وزائغ عن الطريق السوي والمحجة البيضاء، إذ جده الأدنى كان من الرجالات الذين ثاروا على الإقطاعي الكبير القائد عيسى بن عمر العبدي أيام كان الشعب قسمة جائرة بيد الإقطاع، الشيء الذي كان العامل الأكبر لفرض الحماية والاحتلال الأجنبي.
وهكذا وبعد ما استكمل الفقيه الناشئ وعيه وحصل على ما بحصيلة رجالات القبيلة من قرآن وأمهات لغوية وفقهية انتقل إلى فاس- والكل بفاس- عمرها الله وعاد لها مجدها الماضي الذي لا ينكر. وبفاس لازم شيوخا كبارا وأخذ عليهم ماهو في حاجة إليه من علم ومعرفة وأجازه أحدهم بإجازة علمية تشهد بأن الفقيه السيد محمد بن أحمد العبدي الكانوني نبغ في شتى الفنون والعلوم.. وهذا المجيز أيها الأستاذ هو الشيخ عبد الحي الكتاني وشهادته في العلم حجة.
ومن فاس العامرة رجع الفقيه السيد محمد بن أحمد العبدي الكانوني إلى مسقط رأسه، ومنها إلى ضريح الولي الصالح سيدي كانون، إذ أن الفقيه استدعي إلى التدريس بهذا الولي بشرط سنوي تؤديه القبيلة، وهنا بضريح سيدي كانون تعرف عليه بعض الصلحاء، من مدينة آسفي كان لهم أبناء يتلقون العلم هناك وجلبوه إلى آسفي بعدما تكلفوا له بما يقيم الأود والسكن.
وكان اشتغاله بالتدريس بسيدي كانون هو سبب تسميته بالفقيه الكانوني، هذا مع أنه زيدي من قبيلة أولاد زيد الشهيرة كما أسلفنا سابقا.
ثم تعرض في رسالته هاته إلى خزانة الفقيه الكانوني فذكر أنها انتقلت بطريق البيع إلى الفقيه التطواني المؤرخ الشهير.
ومن الواضح أن هاته الرسالة تعد من الوثائق القيمة التي تساعد الباحثين على معرفة أحوال الفقيه الكانوني وتيسر لهم تصور كثير من الصفات التي كان يتحلى بها، كما تدل على شهرة ضريح سيدي كانون الذي ارتبط بالفقيه العبدي الزيدي ابن عائشة، فصار نسبه يعرف بالعبدي الكانوني إلى الآن.
ولاشك أن الذين استقدموه إلى آسفي هم الذين لقبوه بهذا اللقب ليظهروا ميزته العلمية وليبينوا أنه إذا أصبح مدرسا ببعض مساجد آسفي فهو ليس متطفلا على التلقين والتدريس بل إنه كان أهلا لذلك قبل أن يصل إلى مدينتهم، فهو الفقيه الذي ارتضاه المسؤولون عن سيدي كانون ليكون مدرسا بضريحهم.
ولعل الضريح المذكور الذي ينسب إليه هو ضريح أبي العباس أحمد بن الراضي الكانوني أحد المجاهدين المسلمين الذين أبلوا البلاء الحسن في الدفاع عن البريجة ضد البرتغال، وهو صاحب المدرسة الشهيرة للقراءات، تلك المدرسة التي كانت مقصودة للناس من الجهات والتي كان يتولى فيها مؤونة من ينخرط فيها.
وهكذا نلاحظ أن رجال المغرب كانت لهم اهتامامات بالجهاد من جهة، وبنشر العلم من جهة أخرى، واستمرت هاته الروح فيهم إلى الآن، وقد ورث الناس عن طريق التواتر تقدير أولئك الذين كانوا يحملون لواء العلم والجهاد كالولي الصالح سيدي كانون هذا الذي ذكره الفقيه الكانوني في كتابه "جواهر الكمال" وقال عنه إنه توفي حوالي منتصف القرن الثالث عشر بعدما أسن وعجز عن القيام، وعليه قبة على شاطئ المحيط حيث أولاده وذريته".
ويغلب على ظني أن النسبة ترجع إلى أحمد هذا، وقد تكون راجعة إلى كانون ذاته، وهو السيد محمد بن علي الملقب بكانون، وهو من أولاد مطاع دخل إلى عبدة في القرن العاشر، والى هاته الأسرة ينسب أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن الشيخ سيدي محمد كانون المطاعي ثم العبدي، وهو الذي كان أحد الزعماء الثائرين ضد البرتغاليين أيام زيدان ابن أحمد المنصور السعدي، ولقد انتشرت دعوته حتى كاد يستبد بالأمر دون السعديين.
ومن المعلوم أن هؤلاء المجاهدين ضد البرتغال كان لهم صيت كبير في دكالة ونواحيها، وظلت شهرتهم قائمة حتى بعد موتهم وبنيت عليهم القبب وشيدت ضرائحهم حتى أصبحت مشاهد للكفاح ورمزا للمقاومة. قول مؤرخنا الكانوني عنه إنه توفي مقتولا سنة ست وثلاثين وألف هجرية، ويوجد الآن ضريح عليه قبة تنسب إليه ببلاد السراغنة حيث ذريته من ذلك الحين إلى الآن. ولعله نقل جسده من دكالة ودفن هناك رحم الله الجميع.
إن الكانوني إذن ارتبط بهؤلاء المكافحين فاشتهر بنسبته إلى واحد منهم، ولم يبق معروفا بزيديته ولا بكونه الفقيه ابن عائشة، وهكذا شاءت الأقدار أن يظل الكانوني في ركاب المجاهدين والمكافحين سواء في نشأته أو في لقبه أو في تربيته.
إنه واجه الحياة بقوة ونشأ يتيما، ولكنه وجد في عم له خير مساعد فتعهده بالرعاية وأرسله إلى مدينة فاس لتلقي العلم بجامعة القرويين، كما ساعده على الرحلة إلى مدن أخرى حتى أصبح فيما بعد مدرسا قديرا وخطيبا مصقعا وواعظا ملتزما ومؤرخا دقيقا وناقدا نبيها ومطلعا مشاركا وبحاثة مواصلا لا يسأم من الطلب ولا يستحيي من الخضوع لأجل المعرفة، ومؤلفا بارعا يعتمد على منهجية عقلية تستمد تماسكها من أصول البحث العلمي، وسنلاحظ ذلك إن شاء الله فيما سنكتبه عن منهجيته وعن كيفية استغلاله للمصادر التي اعتمد عليها أثناء تآليفه، وأنا اتمنى أن نجد في ذلك فائدة وأن نجد متعة، وأن نكون قد حققنا جميعا تساؤلا كان يراود الكانوني في نفسه، فهو كان يعمل بجد ويواظب على التحصيل ويؤلف ويجمع العلم، ولكنه كان لا يدري من الذي سيرث علمه، لهذا نجده قد كتب بخط يده في كناشة من كنانيشه بيتا من الشعر ينسب إلى ابن أبي زيد القيرواني جعله تنفيسا لما يدور في خاطره وتعبيرا عما يحس به في أعماقه، إنه تقمص معناه حتى أصبح كأنه من نظمه.
يقول صاحب هذا البيت:
أموت ويبقى كل علم جمعتـــه ألا ليت شعري من إذا مت وارثه ؟
وفي هذه الكناشة نجد بيتا آخر رواه عن صديقه المؤرخ سيدي محمد بن علي الدكالي، وهو بيت يرفع الهمة ويقوي العزم، قال ناظمه:
لا يبلغ المرء في أوطانه شرفا حتى يكيل تراب الأرض بالقـــدم
وكان السبب الدافع إلى الاستشهاد بهذا البيت، حث الكانوني على طلب العلم ودفعه إلى الصبر أثناء أسفاره التي كان يقوم بها من أجل اكتساب المعرفة، ومن أجل الاطلاع على المصادر المفيدة التي سنتحدث عنها في مقال آخر إن شاء الله.

(1) كتب هذا البحث في حياة المؤرخ السيد عبد السلام ابن سودة الذي لم يبخل علي بما كان يعرفه عن الكانوني فجزاه الله خيرا، وشاءت الأقدار ألا يتم نشره إلا بعد وفاته فليتغمده الله برحمته (توفي السيد ابن سودة يوم السبت 12 يوليوز سنة1980م موافق 28 شعبان عام 1400هـ).
avatar
محمد عبد الفتاح لحلو
Admin

عدد المساهمات : 68
نقاط : 207
تاريخ التسجيل : 19/02/2013
العمر : 59
الموقع : lahlou.forumaroc.net

http://lahlou.forumaroc.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى